السيد نعمة الله الجزائري
107
عقود المرجان في تفسير القرآن
ما أَمْلِكُ لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ » إن أراد عقابك . « رَبَّنا عَلَيْكَ تَوَكَّلْنا » . أي كانوا يقولون ذلك . « وَإِلَيْكَ أَنَبْنا » ؛ أي : إلى طاعتك رجعنا . « وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ » ؛ أي : المرجع . وهذا حكاية لقول إبراهيم وقومه . ويحتمل أن يكون تعليما لعباده أن يقولوا ذلك ويفوّضوا أمورهم إليه . « 1 » « كَفَرْنا » . عن أبي عبد اللّه عليه السّلام : الكفر هنا بمعنى البراءة . « 2 » ومعنى « كَفَرْنا بِكُمْ » : انّا لا نعتدّ بشأنكم ولا بشأن آلهتكم . وما أنتم على شيء . فإن قلت : ممّ استثني قوله : « إِلَّا قَوْلَ إِبْراهِيمَ ؟ » قلت : من قوله : « أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ » . لأنّه أراد بالأسوة الحسنة قولهم الذي حقّ عليهم أن يأتسوا به ويتّخذوه [ سنّة ] يستنّون بها . فإن قلت : فإن كان قوله : « لَأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ » يستثنى من القول الذي هو أسوة حسنة ، فما بال قوله : « وَما أَمْلِكُ لَكَ مِنَ اللَّهِ » وهو غير حقيق بالاستثناء ؟ ألا ترى إنّ قوله : قُلْ فَمَنْ يَمْلِكُ مِنَ اللَّهِ شَيْئاً « 3 » ؟ قلت : أراد استثناء جملة قوله لأبيه والقصد إنّ موعد الاستغفار له ، وما بعده تابع له ، كأنّه قال : أستغفر لك . وما في طاقتي إلّا الاستغفار . وأمّا قوله : « رَبَّنا عَلَيْكَ تَوَكَّلْنا » [ متّصل ] بما قبل الاستثناء وهو من جملة الأسوة الحسنة . ويجوز أن يكون المعنى : قولوا : ربّنا ، أمرا من اللّه للمؤمنين بأن يقولوه وتعليما منه لهم تتميما لما وصّاهم به من قطع العلائق بينهم وبين الكفّار والتأسّي بإبراهيم وقومه في البراءة منهم وتنبيها على الإنابة إلى اللّه والاستعاذة به من فتنة أهل الكفر والاستغفار ممّا فرط منهم . « 4 » [ 5 ] [ سورة الممتحنة ( 60 ) : آية 5 ] رَبَّنا لا تَجْعَلْنا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا وَاغْفِرْ لَنا رَبَّنا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ( 5 ) « لا تَجْعَلْنا فِتْنَةً » أي : لا تعذّبنا بأيديهم ولا ببلاء من عندك فيقولوا : لو كان هؤلاء على الحقّ لما أصابهم هذا البلاء . وقيل : معناه : لا تسلّطهم علينا فيفتنونا عن دينك . وقيل : معناه : الطف بنا حتّى نصبر على أذاهم ولا نتّبعهم فنصير فتنة لهم . « 5 »
--> ( 1 ) - مجمع البيان 9 / 406 - 407 . ( 2 ) - الكافي 2 / 390 . ( 3 ) - المائدة ( 5 ) / 17 . ( 4 ) - الكشّاف 4 / 514 . ( 5 ) - مجمع البيان 9 / 407 .